السيد عبد الله الجزائري
211
التحفة السنية في شرح النخبة المحسنية
نفسه ونفى ربه واستيفاء القول في هذه المرتبة مما لا يهم في المطلوب إذ هي فوق التوكل والمرتبط بالتوكل انما هو ما قبلها كما مر فمن أيقن انه لا فاعل الا اللَّه وان كل ما هو موجود من خلق ورزق وعطاء ومنع وحياة وموت وغنى وفقر إلى غير ذلك فالمتفرد بإبداعه واختراعه هو اللَّه وحده لا شريك له كان منه خوفه واليه رجاؤه وبه ثقته وعليه اتكاله من غير نظر ولا التفات إلى غيره والالتفات إلى الغير يكون لأحد سببين اما لضعف اليقين بالتوحيد المذكور بحيث لا يقوى على رفعه بالكلية أما لتطرق الشك بسبب ما يشاهد من الأغيار من أفعالهم الاختيارية فيختلج بالبال انه كيف يكون الكل من اللَّه وهذا الإنسان يعطيك رزقك باختياره فان شاء أعطاك وان شاء منعك وهذا قادر عليك ان شاء قتلك وان شاء عفى عنك ونحو ذلك وهذا إشارة إلى وجود المانع أو عدم غلبة اليقين بحيث يثبت له الاستيلاء على القلب وهذا إشارة إلى نقص المقتضى وهما يكونان غالبا في بداية الحال قبل تمام التحصيل ويرجى زوالهما بالرياضة والاستكمال واما للضعف الجبلي والخور الفطري في القلب بسبب الأوهام الغالبة عليه بحيث لا يرجى إصلاح حاله وان بولغ في رياضته وتكميله ما بولغ فان القلب قد ينزعج تبعا للوهم وطاعة له من غير نقصان في اليقين كالجبان مطيع الوهم فإنه ربما لا يطيق البيتوتة في بيت خال ويثق الأغلاق مع يقينه بأنه لا عدو ثمة أو في بيت فيه ميت مع يقينه بأنه جماد لا حواك به وعدم نفرته عن سائر الجمادات فالتوكل لا يتم إلا بقوة القلب وقوة اليقين جميعا إذ بهما يحصل سكون القلب وطمأنينته وكم من يقين لا طمأنينة معه كما قال سبحانه لخليله أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي فالتمس ان يشاهد احياء الميت بعينه ليثبت اليقين في خياله فان النفس تتبع الخيال وتطمئن به ولا تطمئن باليقين في أوائل الحال وانما تصير مطمئنة في أواخرها وأدنى رتب التوكل ان يعتمد المتوكل على اللَّه اعتماد المتوكل على الوكيل الذي يختاره لكفاية مهم من مهماته عنه فإنه لا يستريح اليه الا بعد الوثوق بشفقته لتكون باعثة له على بذل كل المجهود في نصرته ورعايته وقدرته على إنجاح ذلك المهم على وجه تقتضيه مصلحة الحال بحيث لا يمنعه جبن أو حياء أو صارف آخر من الصوارف المضعفة للقلب عن إقامة المصلحة والإصرار عليها وعلمه بمواقع الصلاح والفساد حتى لا يخفى عليه من غوامض الأمر الموكل فيه شيء أصلا لئلا يغلبه الخصم بالتلبيس أو يخبط هو بجهله فإذا أيقن الموكل بهذه الخصال الثلاث في وكيله قوى وكوله عليه ومهما شك في شيء منها أو ضعف يقينه به ضعف الوكول وقل الاعتماد واضطربت النفس على حسبه وهذا بعينه حال المتوكل في